محمد أبو زهرة
3962
زهرة التفاسير
وعندي أرى أن الذين آتاهم الله الكتاب يعم من أسلم ، ومن لم يسلم ، بل يدخل في عمومه ابتداء من لم يسلم فقد كانوا يفرحون ببعث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، إذ كانوا في حرب مع المشركين في يثرب ، ويستفتحون عليهم بأن نبيا قد آن أوانه سينصرهم عليهم قال تعالى : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) [ البقرة ] . وإن سياق هذا في هذا المقام يدل على أن الإيمان الصادق ليس مطلوبا من المشركين فقط ، بل منهم ومن أهل الكتاب ، وأن أهل الكتاب كان ينبغي أن يؤمنوا لمعرفتهم السابقة به ؛ ولأنهم كانوا يفرحون به عندما توقعوا مجيئه قريبا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به . ويقول سبحانه : وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ، أي من الجماعات المتحزبة التي تفهم أن التدين تحزب وتعصب منهم من ينكر بعضه وهو ما يتعلق بالإيمان باللّه واليوم الآخر ، فالصدوقيون من اليهود أنكروا البعث وحسبوا الحياة مادة حتى النفس فسروها بالمادة ، والنصارى حرفوا التوحيد وقالوا إن اللّه ثالث ثلاثة وضلوا بذلك ضلالا بعيدا . ولأنهم أنكر بعضهم اليوم الآخرة ، وأنكر بعضهم الوحدانية ، رد الله تعالى ذلك عليهم ، وذلك بأمره للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه يستمسك بالوحدانية والإيمان باليوم الآخر ، فقال تعالت حكمته : قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ كان ما أمر الله تعالى به نبيه أمرين قد أنكراهما ، وهما عبادة الله تعالى وحده ، وذلك يتحقق في قوله تعالى : أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ ، فهذا إثبات للوحدانية في الذات والصفات والخلق ، والعبادة ، ونفى لأي شريك في العبادة ، والنصارى أثبتوا الشرك في العبادة بعبادة ثلاثة ابتداء ، ثم لا يزالون يأتون بعبادة آخرين كالعذراء كما يسمونها في الأوهام التي توهموها في أنهم رأوا خيالها نورا ، وكعبادة القديسين في نظرهم ، وبذلك أنكروا أصل التوحيد الذي هو أصل الديانات السماوية كلها ، وقد دعاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى كلمة سواء بينه وبينهم ، في